ابن قيم الجوزية
323
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الانبساط والإدلال . فتجيء الهيبة صائنة للمسامر في مسامرته عن انخلاعه من أدب العبودية . وأما فصمها المعاين بصدمة العزة : فإن « الفصم » هو القطع « 1 » أي تكاد تقتله وتمحقه بصدمة عزة الربوبية بمعانيها الثلاثة . وهي : عزة الامتناع ، وعزة القوة والشدة ، وعزة السلطان والقهر ، فإذا صدمت المعاين كادت تفصمه وتمحق أثره . إذ لا يقوم لعزة الربوبية شيء . واللّه أعلم . القلب في سيره إلى اللّه عزّ وجلّ بمنزلة الطائر . فالمحبة رأسه ، والخوف والرجاء جناحاه . فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران . ومتى قطع الرأس مات الطائر . ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر . ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء ، وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف . هذه طريقة أبي سليمان وغيره . قال : ينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف . فإن غلب عليه الرجاء فسد . وقال غيره : أكمل الأحوال : اعتدال الرجاء والخوف ، وغلبة الحب . فالمحبة هي المركب . والرجاء حاد . والخوف سائق . واللّه الموصل بمنه وكرمه . منزلة الإشفاق ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الإشفاق » . قال اللّه تعالى : الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ( 49 ) [ الأنبياء : 49 ] وقال تعالى : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ( 25 ) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ ( 26 ) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ [ الطّور : 25 - 27 ] . « الإشفاق » رقة الخوف . وهو خوف برحمة من الخائف لمن يخاف عليه . فنسبته إلى الخوف نسبة الرأفة إلى الرحمة . فإنها ألطف الرحمة وأرقها . ولهذا قال صاحب المنازل : « الإشفاق : دوام الحذر ، مقرونا بالترحم . وهو على ثلاث درجات . الأولى : إشفاق على النفس أن تجمح إلى العناد » . أي تسرع وتذهب إلى طريق الهوى والعصيان ، ومعاندة العبودية . « وإشفاق على العمل : أن يصير إلى الضياع » . أي يخاف على عمله أن يكون من الأعمال التي قال اللّه فيها : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) [ الفرقان : 23 ] وهي الأعمال التي كانت لغير اللّه ، وعلى غير أمره وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم . ويخاف أيضا أن يضيع عمله في المستقبل ، إما بتركه . وإما بمعاصي تفرقه وتحبطه . فيذهب ضائعا . ويكون حال صاحبه كالحال التي قال اللّه تعالى عن أصحابها : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ [ البقرة : 266 ] -
--> ( 1 ) الفصم - بالفاء - كسر الشيء أو قطعه بلا فصل ولا بينونة - وهو المناسب هنا . فإن أبانه ، يقال : قصمه - بالقاف - ولفظ المتن المطبوع بالقاف وهو غلط ، إلا إذا أريد معنى الفصم بالفاء .